ابن قتيبة الدينوري

مقدمة 3

الانواء في مواسم العرب

سائط هذا العلم . ثم خرجوا من جزيرتهم وفتحوا قسما لا يستهان به من المعمورة ، وظهروا على أمم كانت قد بلغت درجه عالية من الحضارة ، واهتمت بالنجوم اهتمام علماء مضاربين لا اهتمام شعراء متبدّين . فتمتّنت حينئذ العلاقات بينهم وبين العجم ، ونشأ من اختلاط العناصر المختلفة تطوّر عام ظهرت نتائجه في جميع ميادين الحياة وأصناف المعارف ، فضلا عن نشوء العلوم المرتكزة على القرآن ، منها الحديث والنحو والفقه والتأريخ ، حتى مبادئ علم الهيئة لحاجة المسلمين إلى الصوم والصلاة . غير أن أقوى حافز لتقدم معارفهم بالفلك والهيئة جاءهم من الخارج . وذلك أن بعيد فتح السند ادخل إلى العراق ، في أواسط القرن الثاني للهجرة ، الكتابان المعروفان عند العرب بالسندهند وأرجبهد ، فنقلا إلى العربية ببعض التصرف ، وانتشر مضمونهما في الدوائر المثقفة الراغبة في العلوم رغبة صحيحة . وفى الوقت نفسه ، أو بعده بقليل ، عرف العرب الأزياج الفارسية ، وبصفة خاصة كتبا يونانية منها « المجسطى » لبطولموس ( المعروف ببطلميوس ) الذي نقله إلى العربية الحجاج بن يوسف بن مطر سنة 212 للهجرة . لسنا بحاجة إلى الإطالة في ذكر جميع الكتب اليونانية والهندية التي عرّبت في القرون الوسطى ، بل كفى بما قلنا إشارة إلى هذا العامل القوى الذي حمل المسلمين - ومنهم عرب وعجم - على البحث عن علم الهيئة . ولسنا بحاجة أيضا إلى ذكر جميع الفلكيين الذين اشتهرت أسماؤهم في هذا الفرع من العلوم وأكسبوا الأمة العربية فخرا خالدا